شيء إن حدث سوف تتغير حياتك وتصبح سعيداً ؟

 

 

 

 

هذا سؤالاً طرحته على صفحتي الشخصية على فيسبوك في التاسع من مارس/آذار الماضي على أصدقائي، نظراً لأنني قبلها كنت أتحدث مع أصدقاء مختلفين، وأثناء حديثنا وسؤالنا عن أحوال بعضنا البعض تظهر معاناة كل منا، فوجدتني تلقائياً أقول لكل منهم دون ترتيب مسبق: «ما الذي إن حدث سوف تصبح سعيداً أو على الأقل أقل حزناً؟».

 

وكانت المفاجأة، أنني لم أتلقّ إجابة واضحة قابلة للقياس والفهم من أي منهم، فقررت حينها طرح السؤال على فيسبوك على بعض أصدقائي في العالم الافتراضي، وحفاظاً على الخصوصية لكل مَن أراد المشاركة قمت بإنشاء ملف بسيط من أدوات جوجل المجانية يمكنهم من خلاله أن يكتب الشخص دون أن أعرف مَن هو أو يكتب اسمه وعمره إن أراد، وبينما أكتب تدوينتي هذه، هناك 19 شخصاً قد راسلوني من خلال هذا الملف وأجابوا عن السؤال: «ما الذي إن حدث لك تتغير حياتك وتصبح أكثر سعادةً أو أقل حزناً؟».

 

يُحكى أن هناك رجل أعمال قد امتدح الصيادين المحليين بالمكسيك لجودة أسماكهم، وقد تعجّب منهم مستنكراً حين علم منهم أنهم لا يعملون إلا لساعات قليلة فقط، ويقضون بقية أوقاتهم في اللعب مع أطفالهم وزوجاتهم وزيارة أصدقائهم واللهو والأغاني والسمر والنوم حتى وقت متأخر، وأخبرهم أنهم إن بذلوا المزيد من الوقت في العمل يمكن تحسين أحوالهم ونشاطهم المادي، من خلال شراء مراكب صيد أكبر وأكثر، ومن ثَم يكبر نشاطهم ويتعاقدون مع مصانع كبرى أو ربما يبنون مصنعهم الخاص بهم، ومع الوقت والمزيد من الجهد ربما يصبح لديهم مشاريع وشركات عملاقة عالمية، وربما يتمكنون من المضاربة في البورصة وتكوين ثروة بملايين الدولارات.

 

فسألوه عن الوقت الذي يمكنهم خلاله تحقيق هذا الإنجاز، فأخبرهم أنه ليس أقل من 25 سنة، فسألوه: وماذا بعد ذلك؟ فأخبرهم أنهم بعدها يمكنهم الراحة والاستجمام والاستمتاع بالثروات التي جمعوها، وحينها يقضون بقية أوقاتهم في اللعب مع أطفالهم وزوجاتهم وزيارة أصدقائهم واللهو والأغاني والسمر والنوم حتى وقت متأخر بدون هموم أو ضغوط، 25 عاماً من الجهد والعمل المتواصل والضغط حتى يصلوا في النهاية إلى تحقيق السعادة وراحة البال، التي هي تساوي الوضع الذي هم عليه في الوقت الحالي.

 

كانت إجابات الأشخاص الذي أجابوا عن ذلك السؤال متنوعة ومختلفة ومتقاربة إلى حد كبير في نفس الوقت، وأكثر ما يجمعهم كانت هي محاولة الإجابة عن السؤال نفسه، والذي يمكنني تخيّل كيف استقبله كل شخص منهم، وكيف أن بعض مَن أرادوا الإجابة ظلّوا يفكرون ثم أغلقوا الصفحة؛ لأنهم لم يجدوا إجابة، وأن بعض مَن عرفوا الإجابة قاموا بتعديلها من جديد حين اكتشفوا أن الشيء الذي كتبوه ليس هو ما سيغيّر حياتهم فعلاً ويجعلهم سعداء.

 

تمكّنت من لمس ذلك في كلماتهم وحروفهم، شعرت بهؤلاء الذين كتبوا إجاباتهم بثبات ووضوح، وهؤلاء الذين لم يجدوا ما يكتبونه وعجزت الكلمات عن الكتابة، فكتبوا كلمات قليلة جداً بينها نقاط ومسافات كبيرة لعلهم أرادوا التعبير فلم يتمكنوا، شعرت وكأنني ذلك الشخص الذي يقرأ بريد القرّاء في الصحف القديمة، أو كعامل البريد الذي تمكّن ذات مرة من معرفة ما بداخل الرسائل التي يسلمها إلى أصحابها.

 

ولعلّي أستعرض بعض الإجابات التي وصلتني من أولئك الأصدقاء الافتراضيين دون التعليق عليها، فقط أعرضها كما هي مع إصلاح بعض الأخطاء الإملائية فيها، وهذه الإجابات برغم بساطتها ظللت أقرأها مرات ومرات بشعور ممزوج بالعجز والانبهار والشفقة ومشاعر أخرى متضاربة لم أحددها، أول شخص أجاب عن سؤالي ولم يكتب اسمه ولا عمره.

 

 

 

 

ما الذي إن حدث سوف تتغير حياتك إلى الأفضل أو ستصبح سعيداً أو أقل حزناً؟ فكتب «أبقى مرتاح نفسياً ومش متوتر ومش مضغوط وأكون بصحة عقلية أحسن من اللي أنا فيها»، وكتب آخر، 21 سنة، بدون ذكر اسمه: «أبطل كسل وتسويف.. وأنا أصلاً عندي الإمكانات والقدرات أسعد نفسي»، وكتبت أخرى دون أن تذكر اسمها وعمرها: «أنا الحمد لله راضية.. لكن ممكن الحياة تكون أقل ضغطاً وراحة لو خفيت.. عندي مرض بيسبب ألم مزمن.. بيكون نفسي يخف أو يقل أو يهدي ولو جزء من اليوم علشان أقدر أعيشه بشكل طبيعي.. بس».

 

وكتبت أخرى، وعمرها 23 سنة: «السؤال هذا ليه كم إجابات في دماغي مش طبيعية في كل جوانب حياتي.. لكن خلينا في أكتر حاجة مدمراني نفسياً حالياً.. أنا حبيت واحد متفاهمين لأقصى درجة داخلين على سنة تقريباً كل حاجة بينا بتتم في هدوء تااااام… حياتي كانت هتبقى أفضل كتير لو اتجوزنا في هدوء وسكنا في شقة بسيطة وعيشنا زي ما إحنا عايزين.. كان ممكن ده يحصل في خلال أسبوع من لحظة قرارنا ده أنا لا ليا في مصاريف ولا جهاز ولا عفش جديد.. طريقة الجواز في مصر تكفّر مفتي الديار المصرية شخصياً.. مشاكل وقرف وتفاصيل سخيفة وناس مش هيكون لينا علاقة بيهم أساساً المفروض إن حياتنا متوقفة على كلمة منهم أعصابنا باظت فعلاً».

 

وكتب آخر، 21 سنة: «إن القدر يغير نظرته ليا شويه لأن الواحد تعب».

والمزيد من الإجابات المتنوعة التي تجدها بعيدة قريبة، مختلفة متشابهة، كل يغني على ليلاه، ولعل ما هو ناقص عند أحدهم والسعادة متوقفة عليه يمتلكه الآخر ولا يشعر به، ولكن هناك أيضاً مَن لا يملكون أي شيء في هذه الحياة.

 

لو اتخذنا قصة رجل الأعمال وحديثه إلى الصيادين البسطاء في الحسبان، ووجدنا أنها منطقية إلى حد بعيد، ولوهلة، مثلك تماماً قلت نعم، لديهم حق، ما الذي يجعلنا نضغط أنفسنا وندور في الساقية، ونحمل معنا الضغط والسكر والشيب وأمراض القلب طوال سنوات؛ لنحصل في النهاية على السعادة بمعناها البسيط الذي يمكننا الحصول عليها الآن دون هذه الرحلة البائسة؟!

 

ولكن، رحلتنا هذه وكفاحنا في الدنيا هي ضريبة وجودنا فيها، لعلنا نفعل ذلك مجبرين ونظن أن لدينا الخيار، لعل وجودنا جميعاً في الترس الكبير هو ما يجعل هذه الحياة تستمر وتجعل الزمن يدور، ربما لو طبّقنا جميعاً نظرية الصيادين البسطاء وخرجنا من الترس توقّف الزمن وعلقنا في الحياة دون استمرار.

 

وبرغم ذلك فهناك مَن ينجحون في الخروج من الترس والتوقّف عن الدوران ودفع الساقية، ولكن ترى لو فعل الجميع ذلك هل كانت حضارة هذه الأرض ستبنى؟ هل كنا سوف نجد ما نأكله؟ هل كنا نستطيع مشاهدة العالم كله في البلورة السحرية التي نمسكها بأيدينا وهي موصلة بالإنترنت؟

 

أعلم أنك تجيب: «فليذهب العالم والحضارة إلى الجحيم ماذا يعنيني؟»، نعم أنا أيضاً أقول ذلك ولا أخفي عليك، والحياة البسيطة أكثر سعادة وبهجة، وما دمنا سنموت في النهاية بعد القليل من السنوات، فلماذا نعيش هذه السنوات في عذاب وضغط ومعاناة؟

إذا كنت تنتظر منّي إجابة يا صديقي، فأنا حقاً لا أعرف إجابة، لا أعرف.. إذا كانت لديك أنت إجابة فلتخبرني بها يا صديقي.

 

يمكنك الإشتراك معنا فى تلك الخدمات على الماسنجر لتستقبل يومياً رسائل شيقة

بوت رسالة سعادة

بوت طاقة تفاؤل

بوت الرسائل القرانية